الخطيب الشربيني

493

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يقول : « اللهمّ اكفني جاري السوء عدي بن ربيعة والأخنس بن شريق » « 1 » وقيل : نزلت في عدوّ الله أبي جهل أنكر البعث بعد الموت وذكر العظام ، والمراد نفسه كلها لأنّ العظام قالب الخلق . تنبيه : ألن هنا موصولة وليس بين الهمزة واللام نون في الرسم كما ترى . وقوله تعالى : بَلى إيجاب لما بعد النفي المنسحب عليه الاستفهام وهو وقف حسن ، ثم يبتدئ بقوله تعالى : قادِرِينَ وقيل : المعنى : بل نجمعها قادرين مع جمعها عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ أي : أصابعه وسلامياته وهي عظامه الصغار التي في يده ، خصها بالذكر لأنها أطرافه وآخر ما يتم به خلقه أي : نجمع بعضها على بعض على ما كانت عليه قبل الموت لأنا قدرنا على تفصيل عظامه وتفتيتها ، فنقدر على جمعها وتوصيلها ، وقدرنا على جمع صغار العظام فنحن على جمع كبارها أقدر ، وقال ابن عباس وأكثر المفسرين : على أن نسوي بنانه أي : نجعل أصابع يديه ورجليه شيئا واحدا كخف البعير أو كحافر الحمار أو كظلف الخنزير ، فلا يمكنه أن يعمل بها شيئا ، ولكنا فرّقنا أصابعه حتى يفعل بها ما شاء . وقيل : نقدر أن نصير الإنسان في هيئة البهائم فكيف في صورته التي كان عليها وهو كقوله تعالى : وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 60 ) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ [ الواقعة : 60 - 61 ] . وقوله تعالى : بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ عطف على أيحسب فيجوز أن يكون استفهاما وأن يكون جوابا لجواز أن يكون الإضراب عن المستفهم وعن الاستفهام لِيَفْجُرَ أَمامَهُ أي : ليدوم على فجوره فيما يستقبله من زمان لا يبرح عنه ولا يتوب ، هذا قول مجاهد رضي الله عنه . وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه : يقدّم الذنب ويؤخر التوبة ، فيقول : سوف أتوب سوف أعمل حتى يأتيه الموت على أشرّ أحواله وأسوأ أعماله . وقال الضحاك رضي الله عنه : هو الأجل يقول : أعيش فأصيب من الدنيا كذا وكذا ولا يذكر الموت . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : يكذب بما أمامه من البعث والحساب ، وأصل الفجور الميل وسمي الكافر والفاسق فاجرا لميله عن الحق . يَسْئَلُ أي : سؤال استهزاء أو استبعاد أَيَّانَ أي : أي وقت يكون يَوْمُ الْقِيامَةِ . ولما كان الجواب يوم يكون كذا وكذا عدل عنه إلى ما سبب عن استبعاده لأنه أهول فقال تعالى فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ أي : شخص ووقف لما يرى مما كان يكذب به هذا على قراءة نافع بفتح الراء وأما على قراءة كسرها فالمعنى : تحير ودهش مما يرى وقيل : هما لغتان في التحير والدهشة . وَخَسَفَ الْقَمَرُ أي : أظلم وذهب ضوءه ، وقد اشتهر أنّ الخسوف للقمر والكسوف للشمس . وقيل : يكونان فيهما ، يقال : خسفت الشمس وكسفت ، وخسف القمر وكسف . وقيل : الكسوف أوّله والخسوف آخره . ولم تلحق علامة التأنيث في قوله تعالى وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لأنّ التأنيث مجازي ، وقيل : لتغليب التذكير ، وردّ لأنه لا يقال : قام هند وزيد عند الجمهور من العرب . وقال الكسائي : حمل على جمع النّيران . وقال الفرّاء : لم يقل جمعت لأنّ المعنى : جمع بينهما قال الفرّاء والزجاج : جمع بينهما في ذهاب ضوئهما فلا ضوء للشمس كما لا ضوء للقمر بعد خسوفه . وقال

--> ( 1 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 19 / 93 ، وابن الجوزي في زاد المسير 8 / 417 ، والبغوي في تفسيره 5 / 182 .